في قلب مدينة تعج بالصخب والأحلام المتكسرة، وُلدت سلمى بشغف غريب تجاه الخرسانة والحديد. لم تكن تحلم بقصور مترفة، بل بتصاميم تُحيي الأماكن وتُشعل الأمل في النفوس. تخرجت من كلية الهندسة المعمارية بتفوق، حاملةً شهادة لامعة وعيناً تلمع بطموح لا يلين. لكن القدر كان يخفي لها امتحاناً قاسياً؛ فبعد سنوات قليلة من العمل في إحدى الشركات الكبرى، ضربت الأزمة الاقتصادية البلاد، لتجد سلمى نفسها بلا عمل، وبلا بوصلة في بحر من الإحباط.
انهارت أحلامها أمام عينيها، وتملّكها اليأس لوهلة. الهمسات السلبية من حولها لم تزد الطين إلا بلة: “الهندسة للرجال”، “لماذا لا تبحثين عن عمل أسهل؟”. لكن شيئاً ما في أعماق روحها الندية، كزهرة فولاذ تنمو بين الشقوق، رفض الاستسلام. بدأت سلمى تتأمل حيّها القديم، تراه بعين مختلفة. ترى البيوت المتداعية، المساحات المهملة، وتشعر بحاجة ماسة للتغيير. هنا، في هذا الركام، ولدت فكرتها الجديدة: “الهندسة المجتمعية المستدامة”.
لم تملك رأس مال، ولا مكتباً فاخراً. كل ما تملكه هو إصرارها، وموهبتها، ودفتر رسومات قديم. بدأت بمبادرات صغيرة، تتطوع لتصميم مساحات خضراء مهملة في حيها، وإعادة تأهيل مقاعد قديمة في الساحات العامة. واجهت سخرية البعض، وبيروقراطية لاذعة من آخرين، لكنها لم تتوقف. كانت تقضي ليالي طويلة تتعلم عن مواد البناء الصديقة للبيئة، وعن التصاميم التي لا تكلف الكثير وتخدم المجتمع.
شيئاً فشيئاً، بدأت لمسة سلمى السحرية تظهر. تحولت الزوايا المنسية إلى حدائق صغيرة، والمساحات الميتة إلى أماكن يرتادها الأطفال والشيوخ. بدأت قصص نجاحها الصغيرة تتناقل، وتصل إلى آذان المعنيين. حصلت على أول عقد حقيقي لتصميم مركز ثقافي صغير، ثم مشروع لإعادة تأهيل سوق شعبي. لم تعد تعمل وحدها، بل أصبحت تقود فريقاً صغيراً يؤمن برؤيتها.
اليوم، سلمى ليست مجرد مهندسة ناجحة؛ إنها رائدة في مجالها، مثال يُحتذى به في العزيمة والإبداع. شركتها الصغيرة نمت لتصبح منبراً للتصميم المستدام، وتشارك في مشاريع وطنية تهدف لتحسين جودة الحياة. لقد أثبتت أن المرأة العربية يمكنها أن تبني جسور الأحلام حتى من ركام اليأس، وأن تزهر كزهرة فولاذية لا تقهر.
**نصيحة اليوم:** إلى كل امرأة عربية تقف على مفترق طرق، أو تواجه أبواباً مغلقة: تذكري أن القوة الحقيقية تكمن في قدرتك على رؤية الفرص حيث يرى الآخرون المستحيل. استمدي إلهامك من داخلك، وثقي بقدراتك، فالفولاذ لا يلين إلا بالنار، وأنتِ أصلب من الفولاذ. ابدئي بخطوة صغيرة، واجعلي إصرارك هو وقودك، وسترين كيف يمكن ليدكِ أن تبني عالماً أجمل.


