في قرية نائية تتربع على سفوح الجبال، حيث كانت الأقدار تُرسَم سلفًا للفتيات في حدود المنزل والزواج المبكر، ولدت ليلى بشغف لم يكن يتناسب مع واقعها. كانت عيناها تلمعان كلما رأت جهازًا إلكترونيًا بسيطًا، وقلبها يخفق بقوة عند تخيل عالم الأرقام والبرمجيات الذي سمعت عنه في أحاديث عابرة. كان حلمها أن تصبح مهندسة برمجيات، حلم بدا كأنه ضرب من الجنون في بيئتها المحافظة التي لم تكن ترى للمرأة مكانًا خارج إطارها التقليدي.
واجهت ليلى عقبات لا حصر لها. عارضت أسرتها بشدة فكرة متابعتها للتعليم العالي في مجال “ذكوري”، مؤكدين أن مكانها الطبيعي هو الزواج وتكوين أسرة. لم تكن هناك مكتبات أو دورات تدريبية في قريتها، والإنترنت كان رفاهية لا يمكنها تحملها. لكن ليلى لم تيأس. كانت تتسلل ليلاً إلى مقهى الإنترنت الوحيد في القرية، تعمل لساعات مقابل استخدام الجهاز لبضع دقائق، لتبحث عن دروس مجانية في البرمجة وتتعلم أساسيات لغة البايثون سرًا. كانت عيناها المتعبتان تخفيان إرادة من فولاذ.
سنوات من العمل الشاق والمثابرة، وتحدي نظرات الشك والسخرية من حولها، أثمرت عن مشروع صغير بدأ كفكرة لمساعدة مزارعي قريتها على تتبع محاصيلهم وتقدير مواعيد الحصاد عبر تطبيق بسيط على الهاتف. شاركت ليلى بفكرتها في مسابقة محلية للابتكار، وسط دهشة الحضور الذين لم يتوقعوا أن تبرز فتاة من قريتها بمثل هذا المشروع. لم تفز بالمركز الأول، لكنها لفتت انتباه لجنة التحكيم بذكائها وشغفها، وحصلت على منحة دراسية صغيرة وفرصة للتدريب في إحدى المدن الكبرى.
كانت تلك هي الشرارة التي أشعلت مسيرتها. غادرت ليلى قريتها، حاملة معها أحلامها وعزيمتها. في المدينة، واجهت تحديات جديدة: التكيف مع ثقافة مختلفة، وصعوبة الدراسة بلغة أجنبية لم تكن تتقنها جيدًا. لكنها كانت قد تعلمت درسًا قيمًا: المستحيل مجرد كلمة. تخرجت ليلى بتفوق، ثم أسست شركتها الناشئة المتخصصة في تطوير حلول تقنية للمجتمعات الريفية، وساهمت في تمكين العديد من النساء عبر توفير فرص عمل وتدريب لهن. لم تكتفِ بالنجاح الشخصي، بل عادت إلى قريتها لإنشاء مركز لتعليم البرمجة للفتيات، لتفتح لهن أبواب المستقبل التي كانت مغلقة أمامها ذات يوم.
رسالة ليلى لكل امرأة عربية هي أن قوة الإرادة لا تعرف حدودًا. لا تدعي الظروف أو توقعات المجتمع ترسم لكِ مسارك. إمضي قدمًا نحو أحلامك، تسلحي بالعلم والمثابرة، وكوني أنتِ القصة التي تلهم الآخرين لكسر حواجز المستحيل.
—


