في قلب صحراء الشام العريقة، حيث كانت تتلألأ واحة “أراما” كجوهرة خضراء وسط الرمال الذهبية، حكمت الملكة ليلى، امرأة لم تُعرف بجمالها الآسر فحسب، بل بعقلها النيّر وحكمتها التي تفوق سنينها. ذات صيف خانق، بدأت عيون الماء في أراما تضمر، وتسللت الأمراض الغامضة إلى أجساد أهلها، فذبُلَتْ الأرواح كما تذبل الزهور بلا ماء. اجتمع شيوخ القبائل ومستشارو الملكة، كلهم يائس، يتحدثون عن نذر الشؤم ويقترحون رحيلًا جماعيًا إلى مجهول.
لكن ليلى لم تيأس. كانت تتذكر همسات جدتها عن “نجمة الصحراء”، ينبوع سريّ أو عشبة نادرة، تختفي وتظهر وفق دورات القمر ورياح القدر. كان المستشارون يسخرون، يصفون الأمر بخرافة، ويطالبونها باتخاذ قرارات عملية. “يا ملكة، الماء هو الماء، وأساطير الأجداد لا تُروي عطشًا!” قال أحدهم بازدراء. لكن ليلى، مستلهمة من إيمان راسخ بذاكرة الأرض وأسرارها، تجاهلت تشكيكهم.
أخذت ليلى على عاتقها رحلة استكشاف جريئة، لا ترافقها سوى حارستها المخلصة، وعين تتتبع مسار النجوم، وروح لا تعرف الكلل. تحت وهج الشمس المحرقة وفي برودة ليالي الصحراء الحالكة، كانت تبحث في الكهوف القديمة وتتبع مسار الحيوانات النادرة، وتتأمل في التكوينات الصخرية التي بدت وكأنها تحمل رسائل صامتة. استلهمت من نصوص قديمة وجدتها في مكتبة الواحة المنسية، التي تحدثت عن زهرة ليلية تزهر مرة كل عقد، وتقود إلى “القلب النابض للواحة”.
وبعد ليالٍ طوال من البحث المضني، وفي ليلة اكتمال البدر، حيث كانت الزهور الصحراوية النادرة تتفتح، قادتها رؤية ما إلى بقعة من الأرض لم تكن تبدو مختلفة عن سواها. لكنها لاحظت نمطًا غريبًا في توزيع الحصى، ووجدَتْ علامات قديمة بالكاد تُرى. بقوة وعزيمة، أمرت حارستها بالحفر في تلك النقطة بالذات. ومع كل ضربة فأس، كان الأمل ينمو. وما لبث أن انفجر الماء البارد العذب، متدفقًا بغزارة من باطن الأرض، ليس فقط ينبوعًا عاديًا، بل تدفقًا حيويًا أعاد الحياة إلى أراما كلها. كانت “نجمة الصحراء” ليست نجمة في السماء، بل ينبوعًا سريًا، حارسًا على وشك النسيان، اكتشفته ملكة لم تخذلها حكمتها وحدسها.
لقد أثبتت الملكة ليلى أن الحكمة الحقيقية لا تكمن دائمًا في المنطق الظاهر أو الطرق المألوفة، بل غالبًا ما تتجلى في الشجاعة لاتباع الحدس، والإيمان بالمعرفة المتوارثة، والقدرة على رؤية ما هو أبعد من المعتاد. إلى كل امرأة عربية معاصرة، تذكري أن لديكِ قوة داخلية وحكمة عميقة، لا تخشي الوثوق بحدسك، وحاربي من أجل ما تؤمنين به، فربما يكون “نجم الصحراء” الخاص بكِ يختبئ تحت سطح الروتين، بانتظار أن تكشفيه للعالم.


